عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
195
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
قديما وحديثا في الزوايا والربط . وكانوا لا يرجعون إلى زرع ولا إلى ضرع ولا إلى تجارة . كانوا يحتطبون ويرضحون النواء بالنهار ، وبالليل يشتغلون بالعبادة وتعلم القرآن وتلاوته . وكان - صلى اللّه عليه وسلم - يواسيهم ويحث الناس على مواساتهم ويجلس معهم ويأكل معهم . وفيهم نزل قوله تعالى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ [ الأنعام : 52 ] . ونزل في ابن أم مكتوم : عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ( 2 ) [ عبس : 1 ، 2 ] . وكان من أهل الصفة وعن ابن عباس قال : وقف رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يوما على أهل الصفة فرأى فقرهم وجهادهم وطيب قلوبهم فقال : « أبشروا يا أصحاب الصفة فمن بقي منكم على التعب الذي أنتم عليه اليوم ماضيا بما فيه فإنه من رفقائي يوم القيامة » « 1 » . ولم يكن هذا الاسم في زمن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أعني الصوفي . وقيل : كان في زمن التابعين . ونقل عن الحسن البصري أنه قال : رأيت صوفيا في الطواف فأعطيته شيئا فلم يأخذه . وقال : معي أربع دوانيق يكفيني ما معي . ويشيد بهذا ما روى عن سفيان أنه قال : لولا أبو هاشم الصوفي ما عرفت دقيق الرياء . وقيل : لما آثروا الذبول والخمول والتواضع والانكسار والتخفي والتواري كانوا كالخرقة المرماة والصوفة المرمية التي لا يرغب فيها ولا يلتفت إليها فقال : صوفي نسبة إلى الصوفة كما يقال كوفي نسبة إلى الكوفة . وقيل : الصوفية قوم كانوا يخدمون الكعبة . وقيل : سموا بذلك لأنهم تشبكوا بها تشبك الصوف بما ينبت عليه ، والصوفان نبت أرغب : فالصوفي منسوب إلى الصوفية لاشتغالهم بالعادة وتشبك بعضهم ببعض . وقيل : الصوفي منسوب إلى الصوفان لاقتصادهم في الطعام على ما يجري مجرى الصوفان في قلة العناء في الغذاء . قلت : اعلم أن نسبة الصوفي بخصوصية الصفاء أولى من غيره وإن كان له وجه بعيد من حيث اللغة ولكنه وجه قريب من حيث المعنى . وذلك لأن الصفاء من أعز مقامات الروح . إذ هو أولى من تعلق به أمر كن . ولهذا قال تعالى في تعريفه لنبيه - صلى اللّه عليه وسلم - قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] ، وهو نور روحاني صاف عن كدورات تعلقات الكونين وكان مصافيا في محبة اللّه وعبوديته لأنه لم يكن معه مخلوق
--> ( 1 ) أورده المتقي الهندي في كنز العمال ، كتاب الزكاة ، الباب الثالث في فضل الفقر والفقراء ، حديث رقم ( 16573 ) وأخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ( 13 / 277 ) .